صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4545

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

للدّافع أن يدفعها إليه كما كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إنّي لأعطي أحدهم العطيّة فيخرج بها يتأبّطها نارا » قيل : يا رسول اللّه فلم تعطهم ؟ قال « يأبون إلّا أن يسألوني ويأبى اللّه لي البخل » « 1 » . ومثل ذلك مثل من أسرّ خبرا ، أو كان ظالما للنّاس ، فأعطاه هؤلاء ( كي يمتنع من نشر السّرّ أو من الظّلم ) فهذا جائز للمعطي حرام على الآخذ ، أمّا الهديّة في الشّفاعة كأن يشفع لرجل عند وليّ أمر ليرفع عنه مظلمة أو يوصل إليه حقّه أو يولّيه ولاية يستحقّها ، أو يستخدمه في الجند المقاتلة - وهو مستحق لذلك ، أو يعطيه من المال الموقوف على الفقراء أو الفقهاء أو القرّاء أو النّسّاك أو غيرهم - وهو من أهل الاستحقاق ، ونحو هذه الشّفاعة الّتي فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرّم . فهذه أيضا لا يجوز فيها قبول الهديّة . ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصّل به إلى أخذ حقّه أو دفع الظّلم عنه . هذا هو المنقول عن السّلف والأئمّة الأكابر ، وقد رخّص بعض المتأخّرين من الفقهاء في ذلك وجعل هذا من باب الجعالة ، وهذا مخالف للسّنّة وأقوال الصّحابة والأئمّة ، وهو غلط لأنّ مثل هذا العمل هو من المصالح العامّة الّتي يكون القيام بها فرضا : إمّا على الأعيان وإمّا على الكفاية . ومتى شرع أخذ الجعل على مثل هذا لزم أن تكون الولاية وإعطاء أموال الفيء والصّدقات وغيرها لمن يبذل في ذلك ، ولزم ( أيضا ) أن يكون كفّ الظّلم عمّن يبذل في ذلك ، والّذي لا يبذل لا يولّى ولا يعطى ولا يكفّ عنه الظّلم ، وإن كان أحقّ وأنفع للمسلمين من هذا . ولمّا كانت المنفعة لعموم النّاس : أعني المسلمين . فإنّه يجب أن يولّى في كلّ مرتبة أصلح من يقدر عليها وأن يرزق من رزق المقاتلة والأئمة والمؤذّنين ، وأهل العلم الّذين هم أحقّ النّاس وأنفعهم للمسلمين ، وهذا واجب على الإمام ، وعلى الأمّة أن يعاونوه على ذلك فأخذ جعل من شخص معيّن على ذلك يفضي إلى أن تطلب هذه الأمور بعوض ، ونفس طلب الولايات منهيّ عنه فكيف بالعوض ؟ ولزم أنّ من كان ممكّنا فيها يولّى ويعطى وإن كان غيره أحقّ وأولى ، بل يلزم على ذلك تولية الجاهل والفاسق والفاجر وترك العالم القادر ، وأن يرزق في ديوان المقاتلة الفاسق والجبان العاجز عن القتال ، ويترك العدل الشّجاع النّافع للمسلمين وفساد مثل هذا كبير « 2 » . وإذا أخذ وشفع لمن لا يستحقّ وغيره أولى ، فليس له أن يأخذ ولا يشفع وتركهما خير ، وإذا أخذ وشفع لمن هو الأحقّ الأولى ، وترك من لا يستحقّ ، فحينئذ ترك الشّفاعة والأخذ أضرّ من الشّفاعة لمن لا يستحقّ ، ويقال لهذا الشّافع الّذى له الحاجة الّتي تقبل بها الشّفاعة : يجب عليك أن تكون ناصحا للّه ورسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم ، وعليك أن تنصح المشفوع إليه فتبيّن له من يستحقّ الولاية والاستخدام والعطاء ، ومن لا يستحقّ ذلك ، وتنصح للمسلمين بفعل مثل

--> ( 1 ) انظر الحديث رقم ( 1 ) . ( 2 ) مجموع فتاوى ابن تيمية المجلد 31 ص 285 .